الخميس، 6 يونيو 2013

5:11 ص
نعمتي الصحة والفراغ

قال الإمام البخاري في صحيحه:: حدثنا المكي بن إبراهيم أخبرنا عبد الله بن سعيد - هو ابن أبي هند - عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي
صلى الله عليه واله وسلم: " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ ".

وقال عباس العنبري: حدثنا صفوان بن عيسى عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه: سمعت ابن عباس عن النبي r: .. مثله.

( كتاب الرقاق/ باب ما جاء في الصحة والفراغ وأن لا عيش إلا عيش الآخرة/ حديث رقم 6412)

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (11/229-230): .. قال مغلطاي: عبر جماعة من العلماء في كتبهم بالرقائق. قلت: منهم ابن المبارك والنسائي في الكبرى، وروايته كذلك في نسخة معتمدة من رواية النسفي عن البخاري، والمعنى واحد، والرقاق والرقائق: جمع رقيقة وسميت هذه الأحاديث بذلك لأن في كل منها ما يحدث في القلب رقة. قال أهل اللغة: الرقة: الرحمة وضد الغلظ، ويقال للكثير الحياء: رق وجهه استحياء. وقال الراغب: متى كانت الرقة في جسم فضدها: الصفاقة؛ كثوب رقيق وثوب صفيق، ومتى كانت في نفس فضدها: القسوة كرقيق القلب وقاسي القلب. وقال الجوهري: وترقيق الكلام تحسينه. وقوله: نعمتان: تثنية نعمة؛ وهي الحالة الحسنة. وقيل: هي المنفعة المفعولة على جهة الإحسان للغير، والغبن: بالسكون وبالتحريك. وقال الجوهري: هو في البيع بالسكون وفي الرأي بالتحريك، وعلى هذا فيصح كل منهما في هذا الخبر؛ فإن من لا يستعملهما فيما ينبغي فقد غبن لكونه باعهما ببخس ولم يحمد رأيه في ذلك. قال ابن بطال: معنى الحديث أن المرء لا يكون فارغا حتى يكون مكفياً صحيح البدن فمن حصل له ذلك فليحرص على أن لا يغبن بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شكره: امتثال أوامره واجتناب نواهيه فمن فرط في ذلك فهو المغبون، وأشار بقوله: " كثير من الناس " إلى أن الذي يوفق لذلك قليل وقال ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحا ولا يكون متفرغاً لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنياً ولا يكون صحيحاً، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك: أن الدنيا مزرعة الآخرة وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط ومن استعملهما في معصية الله فهو المغبون لأن الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم، ولو لم يكن إلا الهرم كما قيل:

يسر الفتى طول السلامة والبقا فكيف ترى طول السلامة يفعل

يرد الفتى بعد اعتدال وصحة ينـوء إذا رام القيام ويحمل

وقال الطيبي: ضرب النبي صلى الله عليه واله وسلم للمكلف مثلاً بالتاجر الذي له رأس مال فهو يبتغي الربح مع سلامة رأس المال، فطريقه في ذلك أن يتحرى فيمن يعامله ويلزم الصدق والحذق لئلا يغبن فالصحة والفراغ رأس المال، وينبغي له أن يعامل الله بالإيمان ومجاهدة النفس وعدو الدين ليربح خيري الدنيا والآخرة. وقريب منه قول الله تعالى: ]هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم [ الآيات. وعليه أن يجتنب مطاوعة النفس ومعاملة الشيطان لئلا يضيع رأس ماله مع الربح. وقوله في الحديث: مغبون فيهما كثير من الناس، كقوله تعالى: ] وقليل من عبادي الشكور[ فالكثير في الحديث في مقابلة القليل في الآية. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: اختلف في أول نعمة الله على العبد؛ فقيل: الإيمان. وقيل: الحياة، وقيل: الصحة والأول: أولى، فإنه نعمة مطلقة وأما الحياة والصحة فإنهما نعمة دنيوية، ولا تكون نعمة حقيقة إلا إذا صاحبت الإيمان، وحينئذ يغبن فيها كثير من الناس؛ أي يذهب ربحهم أو ينقص، فمن استرسل مع نفسه الأمارة بالسوء الخالدة إلى الراحة، فترك المحافظة على الحدود والمواظبة على الطاعة فقد غبن، وكذلك إذا كان فارغاً فإن المشغول قد يكون له معذرة بخلاف الفارغ فإنه يرتفع عنه المعذرة وتقوم عليه الحجة ...

منقول للفائدة والتذكير .



تابع المدونة عبر:

0 التعليقات:

إرسال تعليق